يومياً من

معهد الشرق العربي في لندن

الصفحة الرئيسية
أرشيف
وثائق
كتب
مواقع
من نحن
اتصل بنا
بحث
 

 

 

استقبل

النشرة الإلكترونية يومياً

 
 
 

* المفاوضات السورية – الإسرائيلية
شراء للوقت بين حكومة مأزومة ودولة معزولة.. أم تأسيس لسلام شرق أوسطي شامل؟

صحيفة النهار اللبنانية - الاثنين 04 آب/ أغسطس 2008

العميد وهبه قاطيشا

حزب الله: خط تماس عسكري بين اسرائيل من جهة وسوريا وايران من جهة ثانية.

تتصدر المفاوضات السورية – الاسرائيلية الإعلام الاقليمي، وينقسم حولها المحللون بين متفائل بالوصول الى نتيجة مرضية للطرفين اللذين اصبحا في حاجة الى سلام متبادل، ومتشائم يرى فيها شراء للوقت من كل الجانبين او احدهما على الاقل، نظرا الى التخبط الداخلي الذي يعاني نتائجه كلا الطرفين. فما نقاط الخلاف بين الجانبين؟ وكيف تبدو حلولها المرتقبة بعد انكشاف غبار المعركة التمهيدية في المفاوضات غير المباشرة التي قادتها تركيا عن امكان خوض مباحثات سلام مباشرة بين الدولتين المعنيتين؟ وما تأثير هذه المفاوضات على علاقات دمشق الاقليمية والدولية؟

عندما فاجأ الرئيس المصري الراحل انور السادات شريكه في الحرب الرئيس السوري الراحل حافظ الاسد في دمشق عام 1977 بأنه ذاهب بمبادرة منه وبمفرده الى الكنيست في اسرائيل تبدلت التحالفات العربية بشكل جذري على مستوى المنطقة في اتجاه ما سمي في حينه "جبهة الصمود والتصدي"، وانتقلت مؤسسات الجامعة العربية، للمرة الاولى في تاريخها الطويل، من مدينة القاهرة الى بديلتها تونس احتجاجا على العاصمة المصرية، عاصمة "الانهزام" كما نعتت في حينه من "الصامدين والمتصدين"؛ كما عانى لبنان في حينه نتائج مأسوية من ذلك التبدل التاريخي في التحالفات الاقليمية.

اليوم، وبعد فصل المسارين الفلسطيني والاردني عن المسار السوري بعد مؤتمر مدريد، تتجه دمشق منفردة لعقد صفقة سلام تاريخية مع اسرائيل من دون مشاركة حليفها الاستراتيجي في المنطقة "حافظ الاسد الجديد" في طهران الرئيس احمدي نجاد، الذي يرفض كل مقاربة استراتيجية مع الدولة العبرية، ولكنه يعجز عن تجديد او تأسيس اي جبهة "صمود وتصدٍ" اسوة بما فعله حافظ الاسد. فكيف تبدو الصورة اليوم؟ وما النتائج المرتقبة لهذه المفاوضات؟

نقاط الخلاف السوري – الاسرائيلي

يتشعب الخلاف السوري الاسرائيلي ليشمل نقاطا عدة اهمها:

اولاً، الجولان: تشكل هضبة الجولان ذروة الخلاف السوري – الاسرائيلي. فالهضبة ارض زراعية خصبة غنية بالمياه خلافا لارض فلسطين التاريخية. مساحتها الف كيلومتر مربع. تتميز كموقع عسكري واستراتيجي مهم جدا واساسي في المنطقة. فهي من جهة ترتفع زهاء 900 متر بانحدار سريع فوق بحيرة طبريا على طول الحدود السورية – الاسرائيلية البالغ طولها 70 كلم، ما يعطي القوى العسكرية التي تتمركز فوق الهضبة تمايزا واضحا على القوى المتمركزة حول بحيرة طبريا. ومن جهة اخرى تنحدر الهضبة بحدة اقل في اتجاه الشرق لتسيطر جغرافيا وعسكريا على محور عمان – دمشق ولتتحكم عسكريا في المنطقة الفاصلة بين العاصمتين.

من جهة اخرى ترتفع هضبة الجولان شمالا لتصل الى جبل حرمون بارتفاع 2814 متراً، والذي يمكن اعتباره مرقب الشرق الاوسط، كونه النقطة الاعلى التي تنفتح في اتجاه الشرق، بحيث تمكن منه مراقبة الشرق الاوسط الى ما بعد العراق وصولا الى جبال زاغروس في ايران.

من الناحية الاقتصادية قد لا تقل اهمية هضبة الجولان الاقتصادية المائية عن اهميتها العسكرية. لان جبل الشيخ يعتبر قصر او خزان الماء الحقيقي لفلسطين والاردن، ومياهه الجوفية والمتجددة تتجه كلها جنوبا. فنهرا الحاصباني والوزّاني ينبعان من سفحه الغربي في لبنان ويتجهان جنوبا نحو بحيرة طبريا؛ ونهر دان ينبع من سفحه الجنوبي في فلسطين ويتجه ايضا نحو بحيرة طبريا؛ ونهر بانياس ينبع من سفحه الجنوبي في سوريا ويصب في بحيرة طبريا؛ ونهر اليرموك ينبع ايضا من جنوب الهضبة ويشكل قسما من الحدود السورية – الاردنية ويصب ايضا في نهر الاردن. بالاضافة الى عشرات الينابيع التي تشكل كلها روافد لنهر الاردن. هذه الثروة المائية تشكل عنصرا اقتصاديا حيويا لدورة الحياة في الدولة العبرية التي تعاني نقصا حادا من هذه المادة الحيوية؛ حتى ان الاسرائيليين طالبوا بالحاح بواسطة بريطانيا عام 1918 بأن تصل حدود فلسطين الشمالية الى نهر الاولي في لبنان صعودا الى جزين ووصولا الى جبل الشيخ لتضم فلسطين نهر الليطاني على علو سد القرعون تقريبا، ويصبح الحاصباني والوزاني نهرين فلسطينيين داخليين كما يحق بعدها لفلسطين الموعودة اسرائيلياً مشاركة لبنان في مياه نهر الاولي. غير ان فرنسا رفضت الاقتراح البريطاني ورسمت الحدود بين لبنان وفلسطين كما نعرفها اليوم.

من جهة اخرى، نجحت بريطانيا على جبهة الجولان في وضع الحدود بين سوريا وفلسطين على بعد عشرة امتار من الشاطئ الشرقي لبحيرة طبريا لالغاء حق سوريا في المطالبة بقسم من مياه البحيرة التي لا تشاطئها. غير ان حرب عام 1948، وصعوبة المدافعة من قبل اسرائيل، الدولة الناشئة، عن الامتار العشرة الملاصقة للشاطئ الشرقي للبحيرة، سمحتا للجيش السوري بالتمركز على شاطئها الشرقي؛ من هنا تأتي مطالبة السوريين بأن تصل حدود الجولان الى بحيرة طبريا.

هذه باختصار هضبة الجولان: ارض زراعية غنية بالمياه، مفصل عسكري حيوي، ومرصد استراتيجي مهم جدا لمنطقة الشرق الاوسط وتشكل بقعة تقاطع بين مصالح البلدين.

ثانياً، حزب الله: يشكل "حزب الله" خط تماس عسكري بين اسرائيل من جهة وايران وسوريا من جهة اخرى، وهو قادر بترسانته الصاروخية على شل الحركة الاقتصادية في شمال اسرائيل، لكن احدى نقاط ضعف الحزب الرئيسية هي سوريا، التي تشكل من جهة حلقة الوصل اللوجستية بينه وبين مموله ومذخره في طهران، وبالتالي في امكان سوريا في اي لحظة قطع هذه الطريق اللوجستية؛ ومن جهة اخرى تسيطر سوريا ايضا على مكونات سياسية شبه عسكرية فوق الساحة اللبنانية تستطيع بواسطتها ارباك الحزب لا بل حتى ردعه عن التحرش بالدولة العبرية او التحرك بحرية داخل لبنان، فهل سوريا جاهزة لقطع طريق الحزب اللوجستية؟ وهل هي مستعدة لارباكه وشل حركته داخل لبنان؟ واذا حصل ذلك فما الثمن؟

ثالثاً: العلاقات السورية – الايرانية: تطورت العلاقات السورية – الايرانية من تحالف لاسقاط النظام العراقي في بداية الثمانينات من القرن الماضي الى محور استراتيجي شبه معزول في مواجهة دول العالم والاسرة الدولية اليوم. تعزز هذا المحور بترابط اقتصادي عنوانه الرئيس الاستثمارات الايرانية داخل سوريا، والتي تتجاوز المليار دولار، وتداخل ثقافي واجتماعي ومذهبي يتغذى من كون المذهب العلوي الحاكم في دمشق هو احد فروع المذاهب الشيعية المتعددة، فهل يمكن دمشق التخلي عن هذا التحالف والمكتسبات لمصلحة السلام مع اسرائيل؟

رابعاً، القضية الفلسطينية: تشكل منظمة "حماس" في فلسطين عصب المواجهة العسكرية المربكة حاليا لاسرائيل، انطلاقا من قطاع غزة. لكن قيادة "حماس" متمركزة في دمشق، وهذه الاخيرة متهمة بدعمها وتوجيهها. فهل دمشق مستعدة للتخلي عن دعم "حماس" ماديا ومعنويا وعن دعم اية منظمة اخرى قد "تفرّخ" على جذع "حماس" في المستقبل؟ وبالتالي هل النظام في سوريا جاهز لبحث تقاعده بالنسبة الى القضية الفلسطينية وترك هذه الاخيرة بيد ابنائها الاصليين؟

النتائج المرتقبة للمفاوضات

النتائج المرتقبة للمفاوضات مشتبعة بتعدد نقاط الخلاف اليوم. على صعيد هضبة الجولان، وهي القضية الاصعب في النزاع السوري – الاسرائيلي، فان المباحثات قد تدور حول تجريدها من السلاحين السوري والاسرائيلي، باستثناء بعض مخافر الشرطة التي قد تتبع الجيشين او الجيش السوري فقط، وتفكيك المستوطنات الاسرائيلية في الهضبة التي تضم الى جانب السبعين الف مواطن سوري خمسة عشر الف مستوطن اسرائيلي، قد يحصل الاتفاق للاحتفاظ ببعض من التي قد تشكل رمزا سياحيا او دينيا؛ اما تقاسم المياه الجارية، ووضع الحدود على بحيرة طبريا، واخيرا المرصد العسكري الاسرائيلي فوق جبل الشيخ، فقد تبقى امورا مفتوحة للنقاش ولو تطلب ذلك سنوات عدة. فهل سوريا قادرة على المساومة على هذه النقاط التي تعتبرها اسرائيل حيوية، بينما نظام الاسد يستمد شرعيته التاريخية منذ العام 1948 من وجوب استعادة فلسطين، بينما هو اليوم يساوم على استرجاع الجولان وملحقاته؟

على صعيد علاقة سوريا بـ"حزب الله" يصعب التصور بأن دمشق جاهزة للتخلي عن تحالفها مع الحزب، وإن كان هذا الاخير يشكل تقاطعا بينها وبين طهران يستغله احد الطرفين السوري والايراني في صراعه الاقليمي مع اعطاء الافضلية لايران، عندما يريد. بالاضافة الى ذلك فان تخلي دمشق عن حليفها "حزب الله" قد يخرجها نهائيا من الساحة اللبنانية لانه مكون اساسي من مكونات الشعب اللبناني؛ ولان حلفاءها المتبقين داخل لبنان غير قادرين على ايجاد توازن عسكري وسياسي وشعبي مع الحزب. وانطلاقا من علاقة دمشق بـ"حزب الله" نصل الى العلاقات السورية – الايرانية والتي اخذت تلعب دورا اساسيا في الحياة الاقتصادية والثقافية السورية، الى حد انه يصعب على دمشق التخلي عن تحالفها مع ايران ان لم تحصل على حوافز اقتصادية ومالية مغرية جدا من المنظومة العربية، وخصوصا دول النفط، تعيدها الى حضن النظام العربي بعد غياب اكثر من ربع قرن عن هذه المنظومة. فهل الدول العربية جاهزة وقادرة على ملء الفراغ الايراني في سوريا؟

واخيراً لا آخراً: هل سوريا جاهزة للتخلي عن القضية الفلسطينية لأبناء هذه القضية وهي التي تنادي بالوحدة العربية انطلاقاً من سوريا الكبرى، التي طالما شكلت الحلم التاريخي لنظامها البعثي؟ وما الاثمان لكل هذه التنازلات؟ وهل الاقلية المذهبية الحاكمة في سوريا، باسم حزب البعث، قادرة على المفاوضات وصولا الى تقرير مصير حقوق سوريا الجغرافية في الجولان ونضالاتها التاريخية حول القضية الفلسطينية؟ باختصار هل الاقلية الحاكمة قادرة على تحمل مسؤولية العبء التاريخي لهذه التسوية؟

من هنا ينقسم المحللون السياسيون حول النتائج المرتقبة لهذه المفاوضات. فعندما بلغ التحرك الديبلوماسي السوري جادة "الشانزيليزيه" في 14 تموز قوبل بموقف ايراني متشدد من المفاوضات خوفا من خسارة سوريا كحليف اساسي وحيد وحيوي لطهران في المنطقة. هذا الموقف المتشدد اتبعته طهران بايفاد رئيس ديبلوماسيتها الى دمشق للوقوف على حقيقة التميز السوري، ومن ثم الانتقال الى تركيا التي تدير المفاوضات للتثبت من حقيقة المعلومات عن تقدم هذه المفاوضات من الوسيط التركي؛ وخصوصا بعد الحذر الذي تولد لدى طهران باغتيال رجلها الامني الاول في لبنان عماد مغنية عندما سقط داخل المربع الامني السوري في دمشق، من دون ان تتلقى حتى اليوم، من سلطات دمشق، اي تفسير عن عملية الاغتيال.

المناخ العام في منطقة الشرق الاوسط يتقدم ببطء نحو التهدئة في انتظار نتائج الاستحقاقات الاقليمية والدولية للأشهر المقبلة التي تحدد هوية سيد البيت الابيض بعد مئة يوم من الآن، ومن سيحكم طهران بدءا من الربيع المقبل. وقد سبق الاستحقاقين الانفتاح الاميركي على ايران، بحضور وليم بيرنز مباحثات سولانا – جليلي في جنيف في اول تواصل ديبلوماسي بين البلدين منذ ثلاثة عقود للاطلاع على موقف ايران من الحوافز التي تقدمها الاسرة الدولية والمؤثرة في جواب ايران عن برنامجها النووي؛ اضف الى ذلك مبادرة واشنطن الى تعيين ديبلوماسي للاشراف على مصالحها في العاصمة الايرانية.

ويتزامن هذا المناخ الايجابي بين الدولتين مع ضعف داخلي مشهود لكل من حليفي واشنطن وطهران في تل ابيب ودمشق اللذين يجدان في المفاوضات غير المباشرة وما يليها متنفسا لتخفيف الاحتقان داخل البلدين. الاول في تل ابيب يعاني ضعفا مرحليا في منهجيته السياسية والعسكرية، والثاني في دمشق يعاني ضعفا في عزلتيه العربية والدولية.

اذن تبدو المفاوضات بين البلدين في مثابة هروب الى الامام بالنسبة الى الحكومتين السورية والاسرائيلية بهدف تخفيف الضغط الداخلي وتوجيه هذا الضغط ومعه الرأي العام للشعبين السوري والاسرائيلي الى الخارج. فهل اسرائيل قادرة على التخلي عن هضبة الجولان العسكرية والاقتصادية والمائية والاستراتيجية وبأي ثمن؟ وهل سوريا قادرة على ايجاد تسوية حول الهضبة وبقية نقاط الخلاف مع اسرائيل وبأي ثمن؟ يبدو ان ثمن السلام مرتفع جدا لكلا الطرفين لتوقيع تسوية تاريخية بين الشعبين في الظروف التي تعيشها اليوم منطقة الشرق الاوسط؛ لذلك يمكن ان تؤدي هذه المفاوضات الى احدى نتيجتين: إما شراء الوقت من الدولتين (سوريا واسرائيل) المحتاجتين الى وقت داخلي ضائع يمنح كل منهما وقتا اضافيا بانتظار تغير في الاوضاع الاقليمية والدولية عنوانها الانتخابات الرئاسية الاميركية والايرانية؛ وإما ان تكون هذه المفاوضات في مثابة مرحلة تمهيدية، قد تطول كثيرا، تتهيأ فيها المنطقة لسلام اشمل واعم يتناول الشرق الاوسط برمته بدءا بايران، مرورا بسوريا وانتهاء بفلسطين. في كلا الحالتين انها مرحلة الانتظار الصعب التي قد لا تخلو من المفاجآت في منطقة تضج بالازمات الساخنة، وخصوصا على الجبهة الايرانية وسلاحها النووي وما قد يليه من تداعيات. فهل يتجه الشرق الاوسط نحو السلام الاقليمي الكبير ام انه ينحدر نحو الانفجار الاكبر؟

الجواب عن هذا السؤال يرتبط بالمحادثات حول السلاح النووي الايراني. أما المفاوضات السورية – الاسرائيلية فليست سوى مرحلة موقتة قد لا تؤدي الى السلام الذي تنشده شعوب الشرق الاوسط، لان هذا السلام مرتبط بأزمات ملتهبة تعيشها المنطقة منذ عقود...

أعلى الصفحة

 

 

 

 

 

لأفضل استعراض استخدم

 

 

 

 

 

 

 

© 2001 - 2006 جميع الحقوق محفوظة لمعهد الشرق العربي في لندن

هاتف: 1087 8817 20 (0) 44 + فاكس: 7804 127 870 (0) 44+

معهد الشرق العربي على الإنترنت: http://www.thelevantinstitute.org

بريد المعهد الإلكتروني: info@thelevantinstitute.org

أخبار الشرق على الإنترنت:  http://www.thisissyria.net

بريد أخبار الشرق الإلكتروني:   levantnews@thisissyria.net

 

معهد الشرق العربي في لندن غير مسؤول عن محتويات المواقع الأخرى المنقولة في هذا الموقع.

المقالات المنشورة في هذا الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي معهد الشرق العربي في لندن أو أخبار الشرق.